… المنفى كجهاز: قصتي مع حادثة طعن سلمان رشدي

بقلم الكاتب أنور رحماني: في هذه المقالة أحكي قصة تصويري لحادثة سلمان رشدي وكيف أثرت علي، وتأملاتي الشخصية عن المنفى.

طَعن سلمان رشدي بكل أوتي من قوة، ضربه، لكمه، وطعنه، مرارا وتكرارًا وبكل غل، وأنا أصوّر بهاتفي. لم أكن أصدّق ما يحدث، كنت أنتظر جدالا فكريا وفلسفيا. كنت أنتظر أن أستمع لنقاش حول الأدب، الفكر وحريّة التعبير، كنت أنتظر، في أسوء الظروف التي من الممكن تخيلها أن يحمل أحدهم الميكروفون وأن يعارض، يوبخ أو يشتم سلمان رشدي حتّى، لا أن يطعنه. كل أدواتي العقليّة كانت مركزة لتلقي المعلومات لا اللكمات، كنت منتبها جدًا وبكامل الاستعداد، حتى أنّي انتهكت الارشادات واقتربت من المسرح بعيدًا عن باقي الكتاب لأستمع جيّدا للقاء، لكيلا تفوتني كلمة. كنت أنتظر دخول سلمان رشدي بكل شغف، وفي لحظة بدأت الأصوات تتعالى، وبدأ «الطعن».  الطعن الذي لم يتوقّف إلى الآن بداخلي.

حدث ذلك في الثاني عشر من أغسطس سنة ٢٠٢٢، نفس السنة التي قدمت فيها إلى أمريكا. كان عودي الأمريكي لايزال طريًا، وأفكاري عن هذا البلد مازالت في القماط، ولم يستوعب عقلي بعد العنف في صيغته الأمريكية. كغيري من المهاجرين نظن في البداية أننا في رحلة استجماميه وأننا قدمنا إلى الجنة، قبل أن تعصف بنا «عنفية» هذا البلد إن صحّت الكلمة ونجد أنفسنا أمام نسخة جديدة، أكثر تعيقدًا من عذاباتنا القديمة. «عنفية» مختلفة هي عمّا عهدناه في بلداننا الأصلية ونفتقر لخبرة التعامل معها.

يوم قبل الحادثة، ذهبنا سويًّا إلى تشوتاكوا، أنا ومجموعة من الكتّاب من منظمة سيتي أوف أسايلوم بيتسبرغ. كان مرجوًا منّا المشاركة في فعاليّات نشاط أدبي في هذه المؤسّسة رفقة مؤسّس المنظمة، كتّاب آخرين مدعويين وعلى رأسهم الكاتب الشهير، سلمان رشدي، كما شاركنا الرحلة موظفي منظمة سيتي أوف أسيلوم، ومديرها التنفيذي. ذهبنا كالكشّافة، وكأننا قطيع من الكتاب والمثقفين إلى هذه التظاهرة الكبيرة. كانت تلك أوّل مرّة يظهر فيها سلمان رشدي شخصيًا على ركح مسرح بعد سنوات من العزلة التي أكره عليها بسبب الفتوى الإيرانية التي أهدرت دمه عقب نشره روايته الشهيرة آيات شيطانية.  كان ظهري يؤلمني جدًا في تلك الصبيحة، مع ذلك لم أستطع تفويت هذه الرحلة، لقد أردت بكل عواطفي أن ألتقي بكاتب كبير ومعروف في العالم كالسيّد رشدي. لم أكن أستطيع التحرّك بشكل سلس بسبب ألم الظهر، مع ذلك فرضت على نفسي الذهاب، لم تكن فرصة من النوع الذي يعوّض، والمنظمة في تلك الآونة كانت سخيّة جدا في عطائها للكتاب، كانوا كرماء جدًا وكان الأمر إلى حد ما أشبه برحلة سياحية جماعية إلى جزر المالديف. قضينا ليلة رائعة في تشوتاكوا، ليلة موسيقية، كلاسيكية، في واحدة من أجمل الأماكن في ولاية نيويورك، الكثير من الأشخاص البيض، الكثير منهم أكثر مما تتحمّله العين، قليل من “الأعراق” الأخرى، في أماكن تلمحها العين بصعوبة، الكثير من النظرات المحتقرة في المطاعم والحانات لا لشيء سوى لاسمك أو لون بشرتك، حتى بعض النادلين الذين تعودت أن أراهم بنظرة احترام، كونهم ينتمون لطبقتي الاجتماعية، قدّموا لي الخدمة وهم مكشّري الوجه، حتّى هم لوّثوا بحجم البياض الرهيب في المكان. هذا لم يكن رأيي وحدي، كان رأي بعض الكتّاب الآخرين في الرحلة أيضًا. وفي هذه الرحلة تعلّمت أشياء كثيرة، لم أكن أعرفها عن هذا البلد، لقد تجّلت لي الطبقية في صورتها الأوضح في معهد تشوتاكوا، معهد، ربما ليس معهدا بالمفهوم التقليدي، بل مدينة صغيرة معزولة ومحصّنة لا يسكنها إلا الأثرياء، والدخول اليها عن طريق “التأشيرة”–لقد وقفنا في الصف وانتظرنا الحصول عليها، ثم دخلنا ما يسمّى معهد تشوتاكوا. لقد كان مكانا ساحرًا يشبه الجنّة، ذكّرني بمكان عرف مطولا في الجزائر العاصمة باسم نادي الصنوبر، كان يعيش فيه أغنياء ومسؤولين في الحكومة الجزائرية في عزلة عن باقي الشعب، ولطالما كان مربوطًا في بلدي بالقصص والميثولوجيات. لست متأكّدًا ان كان هذا المكان يشبه فعلا نادي الصنوبر هذه الرحلة غيّرت الكثير من أفكاري، لقد جعلتني أثور بداخلي، كما لو أنّها فتحت على ذهني أفكار كثيرة لم أكن لأفهمها لو لم أذهب لهذا المكان، وفي صبيحة اليوم الموالي، لا أذكر الساعة بالتحديد، وقعت حادثة طعن الكاتب سلمان رشدي، الحادثة التي فكّكتني وأعادت تجميعي في ذات أخرى لم أكن أعرفها.

ما إن دخل سلمان رشدي ومعه الأب الروحي لمنظمتنا سيتي أوف أسيلوم السيّد هنري ريس إلى الستايج، ومع التصفيقات الحارة، وعلى إثر جلوس سلمان رشدي على مقعده، نظرت صوب هاتفي لأبدأ التسجيل، وما إن فعلت ذلك، بدأ الصراخ يعمّ المكان. رفعت رأسي شيئًا فشيئًا، فإذا بشخص يرتدي قميصا أسودًا، ربّما ليس كذلك، لا أعلم حقا، ولكن ذلك كلّ ما لمحته، يلكم سلمان رشدي بقوّة، ذلك ما رأيته، وكأنّ عقلي لم يكن قادرًا على استيعاب أنّ هناك شخص يطعن شخص آخر، رأيت سلمان رشدي على الأرض، وهنري ريس منقضًا على المجرم يحاول أن ينقض صديقه، اقتربت بهاتفي من المكان وأنا أصرخ: “يا إلاهي، يا إلاهي..” ولكن ليس بنيّة التصوير، ما أردته فعلا أن أنقذ هنري ريس. بصراحة كنت مهتما لأمر سلمان رشدي ومتعاطفا معه، ولكن حياة هنري ريس كانت، ذلك أنّي عندما قدمت إلى أمريكا، هذا الرجل، الذي يقارب أبي سنا، الذي لا يتحدّث كثيرا، كنت أشعر أنه رمزيًا أبي في المكان الجديد. أنا الذي نسيت أن أعانق أبي قبل أن أفر من الجزائر.

وضعت الفيديو الذي صوّرته على الفايسبوك والإنستغرام لأصدقائي، ولم أكن أعلم حينها أنّي سأكون أول من سينقل الخبر إلى وسائل الإعلام. بعد بضعة دقائق، لا أعلم كيف حدث هذا، انتشر الفيديو الذي صورته بصوتي وأنا أصرخ: “يا إلاهي، يا إلاهي” وأنا أقترب من الستايج، عبر كل القنوات الإخبارية حول العالم، أهم المنصات والقنوات أعادت بث الفيديو في أمريكا وباقي أنحاء العالم دون إذني، لم يحذفوا صوتي حتّي مما وضعني وأهلي في الجزائر للمزيد من الخطر. اتصل بي مراسل رويترز ليأخذ تصريحاتي، أخبرته أن سلمان رشدي كان يحتاج حماية أكثر، ولم يكن هنالك ما يكفي من بروتوكولات الحماية لشخص صدرت في حقه فتوى كسلمان رشدي، نقل هذا ولكنه لم ينقل أنّي طلبت من الأمريكيين عدم السماح للعنصريين باستغلال هذا الحدث ضد الأقلية المسلمة في هذا البلد. لأني وكمدافع عن حقوق الانسان والأقليات، كنت أفهم جيّدًا معنى أن تنتمي لأقلية في مثل هذه المواقف. وكنت أشعر أنه كان من واجبي قول هذا، لكيلا أجدني مساهمًا في أذية شخص آخر دون أن أعي، ولكن كلماتي ربّما كانت “زائدة عن اللزوم” ولم يحتجها الصحفي في مقاله ولم ينقلها. ما كان يهم في ذلك الوقت هو “سلمان رشدي قد طُعِن”… طُعِن، طُعِن، طُعِن. هذا كل ما يهم الصحافة الغربية، الحدث، الصدمة، الخبر. لا الفلسفة المنبثقة منه أو قبله ولا ما يأتي بعده، وإن تكرّمت الصحافة الغربية وأطلقت العنان للمناقشات بعد الحدث، عادة ما تكون محاكمات نقاشية طويلة، يتساوى فيها الضحيّة والجلّاد، حيث يأخذ الانسان الغربي، بطبيعة الحال، دور القاضي في المساءلة.

لم يحترم الإعلاميون الأمريكيون صوتي، تصويري، ولا أي ملكية فكرية لي على الفيديو، ولم ينقلوا تصريحي كاملا كما هو. شعرت مرة أخرى أن هذا الغرب، بكل ما فيه، حتى صحافييه، لا ينظر لي كإنسان، بل كحدث، كشيء عابر، كفضيحة أحيانا أو كخبر. فالضحية ليست الا صوتًا يبكي لظهر يُجلد، ولا يمكنها أن تكون صوتًا مُحاججًا لعقل يفكّر. كانت هذه صدمة أخرى تُضاف إلى مجموعة طويلة من الصدمات. رسائل الشتائم والتهديد التي وصلتني ووصلت عائلتي بعد انتشار الفيديو لا تعد ولا تحصى، في الدقائق الأولى إلى غاية الآن، لم تتوقف أبدا، دامت وكأنها ستدوم إلى الأبد. لقد حمّلني الناس ذنوب الجميع، لأن صوتي قال “يا إلاهي” عندما طُعِنَ سلمان رشدي. لأنّ صوتي بدى خائفًا ومتعاطفا معه، وهذا لا يغتفر في عرف المجتمعات المتديّنة.  لقد كنت النسخة الأقرب للأذية وربما حتى «الطعن» من سلمان رشدي، لأنّي كنت «الضحيّة السهل».  فأنا لا أمتلك أدوات الحماية التي يمتلكها سلمان رشدي، ولا منابره المحتفية، ولا دور نشره الكبيرة. إن تم طعني أنا في مكان سلمان رشدي لم أكن لأخذ نفس حجم الاهتمام، ذلك أن الطبقية في عالم المثقفين متوحشة، وأبشع من طبقية العوام، فالثانية مبنية على التقليد والتتابع، أما الأولى فهي وحشيّة بالحجم الرهيب من التراتبيات والحجج التي يبنيها المثقف عن نفسه وعن العالم، إنه صراع العمالقة. تنفّست، ليس لأتنفّس بل لكي لا أفكر أكثر في حقيقة ما أراه، أخذت شهيقا عميقًا، وصوت مرافقة من منظمة سيتي اوف اسيلوم يناديني من خلفي لكي أبتعد عن الركح، لم أستطع تقبّل الفكرة، ولكني تشرّبتها بما يكفي مرغما، لدرجة أنها أصبحت تحت جلدي، كبذور؟ لا، بل كسكاكين لم تتوقف مذّ ذلك الوقت عن طعني.

 لم يتوقف الطعن أبدًا بداخلي، أنا الذي أُتهمت بما أًتهم به سلمان رشدي في بلدي، رأيت شخصًا مثلي يشبهني في المنفى، في بعض الأفكار (لا كلها)، ومعارضته للسلطة الدينية، قصّته إلى حدٍ ما تشبه قصّتي، يتم طعنه أمامي. في دواخلي، بالتحديد في عقلي الباطن، قد كان أنور رحماني يُطعن وليس سلمان رشدي.  لقد تدمّرت نفسيتي، شعرت أنّي أتهاوى، الكوابيس لم تنتهي بعد ذلك، لم أستطع النوم، كان هنالك مئات الأشخاص ربما في المكان ولكن لم ينظرو للحدث بمنظوري، أنا لم أرى سلمان رشدي يُطعن، بل رأيت نسخة مني تطعن على الركح، وعندما قلت يا إلاهي، فقد تبدّد موقفي الإلحادي الذي لطالما دافعت عنه، ووجدت نفسي في وضعية فلسفية وأخلاقية، أكبر من مجرّد رؤية كاتب آخر يُطعن. بل رأيت الكثير من مسلّماتي، دوغمائياتي، وأفكاري تنهار. كما قد يقول مواطني، الفيلسوف الجزائري اليهودي، جاك داريدا إن كان يرتدي حذائي «لقد فكّكت وأعدت قراءة نفسي». حتى مواقفي الأكثر تشدّدًا قد تشذّرت مني، وأصبحت كائنا سائلا أكثر من أي وقت مضى. لقد سمح لي الغرب حينها أن أكون شاهدًا، ولكن هل بإمكاني كمنفي مثقف من عالم الجنوب أن أكون أكثر من ذلك؟ هل يسمح لي هذا الغرب، بكل كبريائه العنصري أن أكون مفكّرًا، منظرًا، محلّلا. هل يسمح لي أن أكون أكثر من مجرد خبر، هل يحق للمنفي أن يكون صاحب صوت لا وجها يبكي، يشكر ويصمت.  أم للمنفى صوته المؤطّر الذي لا يجب أن نحيد عنه، ذلك الصوت، الخفيف، الثقيل والمليء بتعابير الامتنان وقرابين التضحية…

حاول بعض الصحفيين الاتصال بي بعد أول تصريح، فقد كنت أول من نقل الخبر الى العالم عن طريق الفيديو، لكن منظمة سيتي اوف أسيلوم طلبت مني الصمت وعدم تقديم المزيد من التصريحات لحمايتي من أي مشاكل قانونية أو حتى تهديدات محليّة. لقد كانوا محقّين، صحافية أمريكية مثلا حاولت أن تفخّخ سؤالها لي لكي تبني تقريرا ربّما كان ليتهمني بأي اتهام يثقل كاهلي بمشاكل قانونية أخرى كنت في غنى عنها، وعندما لم أعطها الإجابة التي كانت تبحث عنها، أقفلت الخط في وجهي بطريقة غير مؤدّبة، وبغضب وكأنه كان من واجبي أن أكون غبيا باعتباري المهاجر من الجنوب. صحفي آخر، كنت أعتبره صديقي في فرنسا، سجّلني وأنا أتحدث معه دون أن يعلمني، أخبرته أني لا أريد نشر الحوار لأني كنت أحاوره كصديق لا كصحفي وأن المنظمة طلبت منا أن نلزم الصمت، ولكنّه رفض ذلك، ونشر المقال دون ارادتي، وقال لي أن قانون الصحافة الفرنسية يحميه. لقد وجدت نفسي في دوّامة من العنف، لم تكن تبدو أنها ستنتهي أبدًا. كان العالم قاسيا جدا من حولي، لم أفهم ان كنت في واقع أو في كابوس. لقد تحطّمت الكثير من المقدسات في رأسي حينها. الصحافة نفسها التي لطالما كنت ابنها ودافعت عنها، مرة أخرى أصبحت أداة قهر. عرض علي مركز خدمات العائلة اليهودية ببيتسبرغ متابعتي نفسيًا، بعد الصدمة التي تلقيتها، ومنذ ذلك الوقت وأنا أحاول بمساعدة هذا المركز أن أستجمع نفسي مجددا، وأن أدفع نفسي للكتابة، بعد أن حرمتني حادثة سلمان رشدي النوم، الكتابة، وكرامتي.

كيف أتيت إلى أمريكا؟

في أربعة جانفي ٢٠٢٢ غادرت الجزائر مكرهًا صوب أمريكا، بلد المنفى الذي لم أختره، بل اختارني. بعد سنوات من الاضطهاد في الجزائر بسبب أفكاري، مقالاتي السياسيّة وخاصة الساخرة منها ورواياتي التي منعت والتي قذفتني إلى مكاتب التحقيق والقضاء، ودفاعي عن حقوق الانسان، حرية التعبير، حقوق مجتمع الميم، زواج المثليين، حقوق المرأة وحقوق الأقليات. لم يكن بيدي إلّا «الهروب» إذ لم أكن بتلك الشجاعة التي كنت أخالني بها، خاصة عندما رأيت شابا جزائريًا يسمّي جمال بن سماعيل يُطعن ويحرق وهو حي على يد الغوغاء بضعة أشهر قبل ركوبي الطائرة، ووجدت آلاف الجزائريين وهم يساقون إلى محاكم بسبب أراءهم حول الرئيس الجديد تبّون، خُفت، لقد كنت جبانًا، حملت حقائبي وفررت، وقد كنت أنانيًا جدًا وأنا أفعل هذا، شيء لا يقوله الكتّاب المنفيين كثيرًا، ولكنّي سأقوله رغمًا عنّي، لقد اخترت المنفى لأجل نفسي وليس لأجل الوطن ولا لأجل الشعب، غادرت لأنّي كنت أريد أن أنجو، لقد غادرت لأنّي كنت، بصريح العبارة، «جبانا». اتس اوكي، أحيانا على الانسان أن يكون جبانا ليواصل الحياة.

لم أختر المنفى كنوع من البطولة كما يريد الكثير من الكتّاب أن يقنعوني، لقد جعلني الخوف أهرب، الخوف من السجن، من القتل، من الموت، من التعذيب، من التخوين، من أن احتمال أن أُستعمل كورقة استعراضية مع الشعب الجزائري خاصة بسبب أفكاري اليسارية الداعمة لحقوق مجتمع الميم والمرأة والحريات الدينية والفكرية، كنت أخاف أن يصلبني تبّون في أوتاد المحكمة الأخلاقية الجزائريّة ليربح بعض الشعبيّة، كنت أعلم في قراراتي نفسي أن بإمكانه فعل هذا، لقد سبق وحاكمني في محاكمة دامت سنة بسبب فيديو ساخر، ثمّ حقّق معي بسبب مقال قديم كتبته بعنوان «الله حر» قال لي الشرطي آنذاك أنّ الله ليس حرًّا وأن هذا تجذيف، ضحكت، وقلت: “الله لم يعد حرًا اذن؟” فردّ: “الله ليس حرًا لأنّ الحر ليس من أسماء الله الحسنى وعددها تسعة وتسعون”. فهمت آنذاك أن السجن لم يعد مجرّد بناء، بل فكرة تجريدية قد يحبس فيها الله نفسه فمابالكم بالإنسان، وأنّ الميثولوجية الجديدة التي كانت تسعى السلطة الحاكمة لصناعتها عن شخص الرئيس الجديد كانت تختلف تماما عن الرئيس السابق بوتفليقة، رئيس المصالحة والغفران، فتبّون، الرئيس الجديد، أُريد له أن يكون رئيس العقاب والخوف، لا رئيس السلام. وعندما فهمت هذا وفهمت أنّ الله هو أيضًا لم يعد حرًا كما قال لي الشرطي، تأكّدت أنّي في وضع خطر لا يمكنني أن أتجاهله، وأنّ عصر تبّون مختلف تمامًا عن عصر بوتفليقة، فتبّون لا يريد أن يكون رئيسا للشعب، بل رئيسا عليه، رئيسا فوقه، رئيسًا على الرغم منه أو بالأحرى هذا ما فكّرت فيه حينها.

لقد كنت جبانًا، لدرجة أنّي أخفيت على عائلتي أمر قراري بالهجرة إلى غاية الأسبوع الأخير. كنت خائفًا من أن يُفشى سرّي فأُمنع من السفر كما حدث سنة ٢٠١٧ حيث تم منعي من السفر الى لبنان وتم وضعي في حبس المطار ثمّ أخذي من مكان لآخر طيلة يوم كامل. كنت خائفًا وكنت أعلم أيضًا أنّ إخفاء الأمر على أبي وأمي وأخوتي هو جريمة نفسية في حقّهم، ففي الجزائر العائلة هي كل شيء، لا تتفكّك الروابط العائلية مع الوقت، بل تتقوّى، ولا نترك الحضن العائلة سريعا، فالعائلة الجزائرية هي عائلة حاضنة.  وجدت نفسي في معضلة أخلاقية تشبه إلى حد ما المعضلة التي يطلب فيها منك أن تختار وأنت تقود شاحنة فاقدة للمكابح، أن تصطدم بخمس أشخاص على الجانب الأيمن أو شخص واحد على الجانب الأيسر، لم يسعني الوقت للتفكير، اخترت أن أتجاهل الاختيارين وأن أقفز من الشاحنة وأنقذ حياتي.

عندما أخبرتهم، كانت صدمتهم قوية، ولكنهم لم يقفوا في وجهي، بل شجعوني، شيء بداخلي دفعني للهجرة أيضا كان سببه وجوههم الحزينة، كلما كانت الشرطة تطرق على بابنا بحثًا عني، أو كلما قرؤوا عني تلك المقالات التي كانت تشوّه سمعتي في الجرائد الوطنية الأكثر مقروئية في الجزائر والتي أذتني كثيرا. كنت أعلم في قرارات نفسي أن الابتعاد عن العائلة سيوفر عليهم عناء الخوف الذي كنت أسببه لهم بسبب «أنانيتي الفكرية». كانت رؤيتهم وهم حزينون أهون علي من رؤيتهم وهم خائفون. ذلك أن الحزن أهون من الخوف.

في الأسبوع الأخير، أمي طبخت كل ما أحب أكله، وأبي أعطاني مئة دولار، ذلك كل ما كان يملكه. وفي آخر يوم أكلت طبقي المفضل، شربة عدس مع كريات سميد مطبوخة مع حشائش من الغابة. لطالما كانت هذه الأكلة طبقي المفضل منذ الطفولة، أعدته أمّي وجلست أمامي تتأملني وأنا آكل وجميع أخوتي وأبناءهم يتأملونني، تماما كما كنت أفعل وأنا صغير عندما كنت أطعم أرنبي، أبقى أتأمّله وهو يمضغ. كانوا يتأمّلونني أنا أمضغ الطعام، كنت في الحقيقة الأمر، أمثّل أني كنت أمضغ وآكل، لكيلا يذهب جهد أمّي سدًا. ولكيلا أبدو حزينًا، في مواقف الوداع مثل هذه، يجب أن تبدو سعيدًا وإن لم تكن، لكيلا تجعلهم أكثر حزنا مما يبدون، كانت ابتسامتي الطافية على وجهي كما تطفو صورة القمر على وجه البحر في ميناء مدينتنا في الليل، الدليل الوحيد على أنّي أفعل ما اخترته، لا ما أكرهت عليه. كان على أمّي أن تراني سعيدا حتى لا يسكن الحزن وجدانها وأنا أبدو حزينا أمامها.

كان أبي في انتظاري حينها مع أخي في السيارة في الخارج ليوصلوني للمطار. وقفت وعانقت الجميع. الجميع يبكي وكأني أرى جنازتي وأنا حي. واحد خلف واحد، الجميع يعانقني وهو يبكي. أخواتي البنات، أطفالهم، أمّي، زوجات أخوتي، الجميع يبكي، أختي نسيبة عانقتني وجسمها يرتعش لم أستطع أبدًا نسيان بكاءها. أختي ليلى التي تركتها مكسورة الفؤاد والخاطر بعد أن تطلّقت، وأختي وسيلة التي فقدت السمع لتوها ولكنها لم تنسى كيف تستمع لي وأنا أودعها وهي تبكي. أختي جميلة وأطفالها، زوجات أخوتي كريمة وكذا مريم، الجميع. لقد كان شعورًا لا يمكن وصفه. في الجزائر يحدث كثيرا أن يُنفى أشخاص بسبب أفكارهم وعادة لا يعودون، تعوّدنا على هذا في الجزائر، آيت أحمد مثلا، مؤسس الثورة الجزائرية ضد الاحتلال الفرنسي، ومؤسس أول حزب معارض في الجزائر بعد الاستقلال، عاش في منفاه في سويسرا إلى أن مات، حرّر بلادًا لم يستطع العيش فيها. ومؤخرا فقط وأنا أكتب هذا المقال، ممثله أمهات المفقودين، الذين تم اختطافهم في الحرب الأهلية في التسعينات في الجزائر، تم إعلامها في المطار وهي عائدة للجزائر أنه ليس بإمكانها العودة، لماذا؟، لأنّها كأم لمفقود سألتهم ببراءة: “أين هو إبني؟”.

ركبت مع أخي وأبي وإبن أختي إيهاب في السيارة، في اتجاه مطار هواري بومدين الدولي، كان أبي متوترًا، وجهه أحمر، كان يكتم بكاءه. قمعت دموعي أنا أيضًا، كنت أمثّل دور السعيد. كنت أعلم بداخلي أنّي أذيتهم حقًا، بسبب طيشي أحيانًا، وبسبب كتاباتي التي ورطتني أكثر من مرة وورطتهم معي. كنت كاتبًا مغمورا، أردت أن أكون كاتب على الرغم من الجميع. فرضت نفسي واسمي في عالم الأدب والفكر في الجزائر، في دولة يصعب فيها أن تنال اعتراف «الكاتب» أو الفيلسوف، في بلاد أعطت: القديس أغسطين، لوكيوس أبوليوس، ابن خلدون التونسي، كاتب ياسين، مولود فرعون، ألبير كامو، آسيا جبار، فرانتس فانون، محمد ديب، معمري، جان سيناك وغيرهم لا تمنح نخبها الألقاب بسهولة، وهذا دون احتساب آلاف العوائق التي تخلقها السلطة السياسية في الجزائر في وجه المثقّف. ولكنّي فعلتها، فرضت نفسي بالقوة، بالكلمة الشجاعة، وبالكثير من العناد، ولكن بعد ماذا؟ بعد أن ضاعت حياتي، لا عمل، لا حياة، الخوف يتملكني دائما، لا أصدقاء، لا أحباء، وعائلتي أصبحت تعيسة لدرجة لا تطاق. شعرت بالندم، لا أخفي هذا، «لو يعود الزمن للوراء كنت لأكتفي بالأكل والشرب والنوم، أما الأفكار فكأي انسان ذكي في الجزائر، كنت لأرددها للوسادة قبل النوم، وينتهي الليل دائما بصبح جديد». هذا بالتحديد ما كنت أفكّر به حينها وأنا أتأمّل وجه أبي في المرآة الأمامية للسيّارة وأنا جالس في المقعد الخلفي.

أخطأ أخي الطريق، وتأخرت على طائرتي. لم أكن حزينا لهذا، ولم أكن سعيدًا أيضًا. كانت مشاعري محايدة، وكأنّي لست أنا، وكأني كنت شخصية من شخصيات رواياتي «التافهة». وصلت للمطار متأخرًا، في الدقائق الأخيرة قبل إقلاع الطائرة وذلك ما سهّل لي الهروب. عندما وصلت للمطار، كان المكان فارغًا، وصلت إلى عامل الجمارك لكي أركب الطائرة وقد كان بالقرب من بابها. كان أبي يتأمّلني من بعيد، حزينًا، أعطيت جواز سفري للجمركي. بحث عن اسمي ومعلوماتي في كومبيوتره، فوجد أني كنت ممنوعا من السفر (منعا سياسيًا) لم يفهم ما كان مكتوبا، فعادة ما يوضع هذا على شكل رموز. كان يبدو فتيًا، ربما جديد في العمل، فكّرت في خداعه، حاولت أن أحاوره، وأن أقنعه بتركي، والطائرة كانت ستقلع. كنت على أعصابي، ولكن لم أكن أريد أن أترجاه لأني إن فعلت ذلك سيعلم حتمًا أن هنالك أمرًا أخفيه. لقد فقدت الأمل. وحينها أتى جمركي آخر، وكأنّ السماء أرسلته لإنقاذي، رأيته وهو قادم، كان شابا فتيا أيضا، في بداية العشرينات ربما، جميل، أنيق، طويل، كنت لأسقط في غرامه لو لم أكن ذاهبا لأمريكا. أتى مباشرة نحو الجمركي الذي كان ممسكا جواز سفري، قال له: “ما به”، قال الآخر :”لا أعلم ما معنى هذا الرمز، ربما الخدمة الوطنية..”، نزع جواز السفر من يد صديقه وختمه لي وقال لي: “اذهب لأمريكا وعش حياتك”. من بعيد أشرت لأبي أني ذاهب، وصديقي حمود معه يبكي. رأيت أبي يحك عينيه، لم أكن متأكدًا ان كان يبكي أم يحكهما فقط، ولكني شعرت أنه كان يبكي. لا يحب أبي أن يبدو منكسرا، في الجزائر الرجال لا يبكون. لم أبكِ، كان الحزن معششا بداخلي ولكن على السطح شعرت بالسعادة نوعًا ما وأنا أركب الطائرة، كانت لحظات قليلة من السعادة فقط، قبل ولوجي الطائرة، مر رجل أمامي وقال لي ربما: “إياك أن تعود..” أو “إياك أن تعيدها ثانية”. وأكمل المشي، تأملته دون أن آبه له، وركبت الطائرة، وأُقفلت الباب وكنت آخر من يركب. اتصل بي حينها عمّو عبد الله تمام، رجل في الستينات من عمره فاقد لرجليه، فقدهما في ألمانيا في حادث قطار وهو يدرس هناك، أعيد للجزائر، وعندما طالب بحقوقه أودعوه السجن عشر سنوات وهو بلا قدمين. منذ ٢٠١٣ الي غاية آخر يوم لي في الجزائر كان صديقي المفضّل وهو رسام إسمه حاتم حميس. أقفلت الهاتف عندما بدأت الطائرة بالإقلاع. وحينها تذكّرت أني لم أعانق أبي وانفجرت بالبكاء. رأيت الطائرة تغادر الجزائر ولم أستطع أن أتوقف عن البكاء. عناق أبي أصبح عقدتي النفسية منذ خروجي من الجزائر، أخاف ألّا أعانقه من جديد. ومنذ وصولي للمنظمة، كلما رأيت السيد هنري ريس يتمشّى تذكرت أبي.

لو لم يتأخّر أخي بالسيارة، لو لم أكن آخر من يركب الطائرة، لو لم يأت ذلك الشاب لينقذني في آخر موقف كنت ربّما سأبقى حبيس معاناتي في الجزائر. الصدف أحيانا أقوى من المعجزات. وأشياء صغيرة يفعلها الانسان قد تغيّر مجرى حياة الكثير من البشر.  بعد أشهر من وصولي لأمريكا، تمت محاكمتي غيابيًا في الجزائر وحكموا عليّ سنة سجن، لماذا؟ لكيلا أتمكّن أبدًا من العودة للجزائر. أما في أمريكا، فكان العالم مختلفًا، أشخاص رائعين حولي، يساعدونني، يسهرون على طمأنتي، وفي جامعة كارنيغي مالن، التي كانت جنّتي الصغيرة، تعرفت على أسرة جامعية جديدة، ودرست مجددَا، لا لأتعلم، بل لكي أنسى…

بعد بضعة أشهر من قدومي لأمريكا، طُعن إبن أختي إيهاب في الجزائر في الرقبة من طرف شخص كان يقود دراجة نارية، ربّما بسببي، لست متأكّدا، ولكن هذه «ربما» مؤلمة جدا بداخلي، بقي ابن أختي في المستشفى وقارب الموت، ولكنه نجى ولم أكن أعلم بذلك. والعنف لم يتوقف أبدًا، أختي أيضًا تعرضت للعنف أيضًا من طرف زوجها ربما بسببي أيضًا، صديقاي إثنان في الجزائر أصيبا بالأيتش أي في، وفي بيتسبورغ حوادث اطلاق نار، ثمّ حادثة سلمان رشدي، ثمّ حادثة صديقي السوداني شبر الذي وجدوه ميتًا في النهر، والذي على الرغم من موته لم يسلم من التعاليق العنصرية على حسابات التواصل الاجتماعي. العنف، الكثير من العنف، منذ قدومي لأمريكا، معاملة سيئة من طرف بعض مطاعم، الحساسيات اللونية، وعندما بدأت الحرب في غزة، لم يسلم عربي ولا يهودي في هذه البلاد من مظاهر العنف اللغوية والفعلية، ومظاهر العنف المتجدد تظهر وتختفي على الريلز، في التيكتوك والانستاغرام وكل مكان. ومع كل هذا العنف بدأ السكين الذي طعن سلمان رشدي يتحلّل شيئًا فشيئا بداخلي.

عنف آخر لاحظته في هذه البلاد، هو العنف بين المنفيين المثقفين أنفسهم. حيث يأتي المنفي منهم بفكرة المنفي الوحيد، ليصطدم بألاف المنفيين المثقفين مثله، في كل جامعات ومنظمات المجتمع المدني الامريكية. هذه الحقيقة المؤلمة قد تخلق أحيانا شعورًا بالمنافسة، لا يكون دائما في صالح المنفي. المنفي المثقف، يعرف كيف يصنع السرديات وكيف يوظفها حتى ضد المنفيين الآخرين أو حتى ضد نفسه إن أراد كما أفعل أنا في هذا المقال.

وعنف ثالث، لاحظته في هذه البلاد، هو عنف الإنكار، ففي أمريكا رأيت شعبًا مقموعا أيضًا، بلا حقوق اجتماعية. أغنى بلد في العالم وأكثرها عددا بالنسبة للمتشردين. مستشفيات جيدة بنظام صحي طبقي. دولة غنية وفاسدة في نفس الوقت. أستغرق الأمر مني أن أقطع ألاف الكيلومترات لأسقط أسطورة أخرى من رأسي، الغرب لم يكن الجنة المعهودة، الغرب فاسد وغني، عنصري واستهلاكي. والانسان الغربي انسان مريض، تماما كإنساننا الجزائري، يختلف نوع المرض، لكن كلاهما مريض. ولكن العنف الأبشع من كل هذا هو حالة الانكار المؤسّس، انكار منظم وبآليات أقل ما يقال عنها أنها «منافقة» وكثيرا ما تستخدم أصواتنا، نحن المنفيين من الدول الأخرى لتبرير الوضع الكارثي، اللاعادل الذي يعيشه الأمريكيّون.

لا أريد بهذا المقال أن أكون ناكر الجميل، بل أريد أن أضيف معنى جديد للمنفى كجهاز لا حالة. وأن أخرجه حقًا من ثوبه الأدبي السحري، إلى عالم حقيقي ومتحرّك بآليات وميكانيزمات. المنفى كجهاز لا يعني بالضروة كجهاز سيء، بل كجهاز سلطة، ربما ليس جهاز تسلّط دائمًا ولكن أحيانًا أيضًا جهاز يستميل المنفي إلى التودّد.  في هذا البلد، ذهبت لأكثر من جامعة، اكثر من مدرسة، اكثر من منظمة، وفهمت مع الوقت أن هنالك ميكانيزمات تحكم عالم المنفى. آلة نفسية، أحيانًا قمعية حتى في أشرق صور الرحمة، فالرجل الأبيض في أمريكا يختار من يتكلم ومن يجب أن يصمت من المنفيين. أدوات قمع ناعمة، لا تبدو كقمع في البداية، لأنه ليس نوع القمع الذي عهدناه، أنه قمع أذكى بمراحل. ولكي لا ندخل في البرانويا، فدعوني قبل أن أكمل هذا المقال أن أعترف أن معظم من التقيت بهم في أمريكا خاصة في سيتي أوف أسيلوم، كانوا صادقين في مشاعرهم وحبهم للمساعدة، ولكن الآلة ليست الأشخاص. هناك تقاليد تتبع حتى في أرقى الهيئات تقدمية، ولا يمكن أبدا تجاوزها، وطيبة الأشخاص أحيانا لا يمكنها أن تهزم آلة استقرت في وعي الغرب لقرون، ومجموعة من التقاليد العنصرية والهوموفوبية، الترانسفوبية والمعادية للسامية، المعادية للعرب والمعادية للسود، والمعادية للسكان الأصليين، ومعادية للمرأة. أفكار نجدها واضحة في كتب نتشه، شوبنهاور، داروين، وغيرهم من الآباء المؤسسين للعقلية الغربية الحديثة. وأردت أن أكتب هذا المقال، لا لأقول كل شيء، بل لألمح، لأني وبعد كل هذه السنوات، مازلت خائفًا وجبانًا ولذلك فإني لن أحكي قصصا في هذا الجزء القادم.

هذا ما تعلمته من تجربتي في المنفى، ومن حادثة سلمان رشدي (نقد ذاتي):

  يبدو الأمر نجاةً في البداية، ولكنّه سرعان ما يتحوّل إلى مشروع، ويتحوّل معه نداء الاستغاثة إلى صوت اختناق، تتحوّل مكبّرات الصوت التي يتلهفها المنفي إلى أدوات استنطاق، تتحوّل اليد المبسوطة إلى كفّ إسكات ويؤطّر المنفى في قوالب استعماريّة واستشراقيّة بأدوات استشرافية لا تقل سلطوية عن تلك التي دفعت المثقف إلى النفي في الأساس. وفي خضّم هذا التقلّب يتمخّض المثقّف الطوعي، الذي يقارب التصوّرات الاستعمارية ويعيد انتاجها في نسق الضحية، الضحيّة الأبدية التي نجت من عالم المتوحشين، عالم البرابرة، الناجي العاقل من عالم البشر الأقل بشريّة، من عالم الانسان المتدني، الأقل تحضّرًا، الأقل رقيّا، المختل أخلاقيًا والعاجز عن التفكير. وحينما تتّضح الصورة جليّا، يقف حينها المنفي أمام خياران، إمّا النجاة كفعل طبيعي أو النجاة من النجاة كموقف سياسي قد يهدّد بقاءه، يهدّد صورته الأنانية عن نفسه باعتباره المثقف، ويجعل من نجاته استعارة رمزية ليس إلّا، ليختنق بداخل المؤسّسات الغربيّة المتلهفة لصوت الغريق، الصوت المحتضر والضمير المؤنّب للذات، صوت الأظافر التي تخدش سفينة النجاة، سفينة الغرب، صوت الأظافر المتشبّثة في القوارب ونداءات الاستغاثة، ذلك أن اللذّة الغربية الأشدق هي لذة سماع صوت الاستغاثة النابع من الشرق أو الجنوب، صوت الضحيّة السفلى، الضحيّة المتدنية التي تبحث عن النجاة، النجاة من عالم الضحايا المتوحشين، عالم الجنوب، الجنوب الذي يقبع أسفل الأرض، الجنوب التابع أو الشرق السحري.   الاستغاثة التي تجعل الغربي يلبس دور المنقذ، الدور العُلوي، الدور العقلاني الذي يريده، الذي يغريه، ما يبرّر حجّته الاستعلائية أمام نفسه أولا، ثمّ أمام الضحيّة. فمن يمد يده لينقذ من أعلى السفينة ليس كمن يقبع تحتها كضحيّة مغمورة بفكرة التضحية.

            المنفى وإن كان اختياريًا فهو تجربة سياسية حتّي في أبسط أشكالها، تجربة أقل ما يقال عنها أنها شكل من أشكال المعارضة، الأكثر حديّة منها، ولكنّها أيضا الأكثر أنانية. فعندما يضطر المثقف العاجز إلى الفرار يكون بذلك قد أقرّ بأنّه لن يضحّي بنفسه لأجل مجتمعه وشعبه. المنفى في هذه الحالة ليس مجرّد سفر أو عبور، ولا يمكن تبسيطه في اسم الهجرة، فالمهاجر لا يبحث عن الاعتراف، بل يبحث عن الاستقرار، أمّا المثقّف المنفي فهو دائم الحاجة للاعتراف، وكأن العالم كلّه مدين له ولتضحيته الكبرى بالفرار من وطنه، مقنعًا نفسه أولا ثمّ الآخرين أنّ الهروب بطولة، وإنجاز فكري شجاع، متناسيًا أنّ الظهر لا يملك ملكة التعبير وعندما نلتفت للأمام لنذهب لحال سبيلنا فذلك لأنّه لم يعد هنالك ما نقوله. ولكنّ المثقّف كائن متحجّج، دائم البحث عن التبرير، له جواب لكلّ سؤال، ولأن المنفى خطوة سياسية فلابدّ لها من تحجيج، وكأن كل حجج العالم وُجِدت في الأساس لتبرير قراره بالفرار، وكأنّ الفرار، ذلك الفعل المخزي في قواميس النضال، لم يكن إلا شكلا من أشكال التضحية أو قمع الذات، وكأنّه فعل تصوّف، فعل روحاني لا يقدر عليه إلّا الأنبياء.  فعل يعجز عنه معظم الناس، ليس بسبب طوابير التأشيرات أمام السفارات الغربية بل بسبب القدرة على القفز والنجاة كفعل مثقف، فعل ليس ببداهة الارتجال ولا بطبيعة الموقف بل كخطوة جريئة يخطوها المثقّف الى الأمام بأن يدير ظهره لمن كان يومًا يتغنّى بتمثيلهم الثقافي والدفاع عنهم، ولكن الفرار ليس الا استجابةً لنداء الطبيعة، نداء غريزة حب البقاء، وليس من البطولة في لحن الشعوب أن يغني الأبطال وهم على قيد الحياة.

 المنفى الاختياري الذي يبدو مقاومة في البداية سيبدو مع الوقت هروبًا، ثمّ يتحوّل إلى سقوط، وعندما يبدأ المنفي المثقف في السقوط، لن يعلم في البداية أن كان يسقط للأعلى أم للأسفل، إن كان يسقط فعلا أم يطير، فعندما يكون عمق الحفرة عميقا جدا يحفّه الظلام، لن يُرى السقوط مهما كان مخيفًا إلّا كعمليّة ارتخاء في الهواء. وهكذا ومع التهاوي تتضخّم صورة المثقّف عن نفسه، المثقف المغمور، فيبحث مجدّدا عن الاعتراف، اعتراف “السيّد الأبيض المثقّف”.

الجرح النرجسي :

يُنظّر الفيلسوف الإيطالي غراميتشي من زنزانته أن البشر جميعًا مثقفون، ثمّ يتدارك نفسه ويقول أنّهم مثقفون باعتبارهم يملكون القدرة على التفكير، ولكنّ بعضهم فقط من يفعّل هذه الخاصيّة، وأرى أنّه بذلك يجعل من التثقّف فعلًا فطريًا مضمورًا لا يصعد إلى السطح إلّا بفعل الإرادة. وهذا بالفعل ما يكره أن يسمعه المثقّف، أن يكون شبيها بالآخرين، أن يكون النسخة التي اختارت بملأ ارادتها دورها النقدي، دورها الثقافي، دورها الاستشرافي أحيانًا، وليس بتلك الفرادة الادراكية التي تجعله مميّزًا عن الآخرين. التميّز والاعتراف بهذا التميّز، بفرادة صوته، بعبقريته، ذكاءه وصحّة تصوّراته وأفكاره. وهذا البحث عن الاعتراف قد يوّرط المثقّف المنفي، وقد يختزله في مجموعة محدّدة من الأفكار فيتحوّل من مفكّر إلى أداة بروباغندا سياسيّة، أداة دعاية أحيانًا لأفكار استعمارية، عنصرية واستشراقية بغيضة، ربّما ليس بملأ إرادته بل بما يملي عليه نداء الطبيعة. فالمثقف المنفي إنسان مكسور، عادة لا يملك نفس حقوق العوام، فهو في أرضه الجديدة التي نفي لها، لا يملك الا بعضا من الحقوق المدنية، وعليه أن يسعى للبحث طيلة سنوات من النفي عمّا يجعله مساويًا للآخرين. جرح نرجسي لا يمكن تجاوزه بشكل سلس. فالمثقّف المنفي عادة ما ينظر لنفسه نظرة كبرياء، فهو الذي غادر وطنه بحثا عن الحياة كمهاجر، وبحثا عن الاعتراف كمثقف، يجد نفسه في مكان أدنى من أي مواطن في الأرض الجديدة. يجد نفسه كعود قصب تذروه الرياح ذات اليمين وذات اليسار بما تتجاذبه التطوّرات السياسية في الديمقراطيات الغربية. هذا الهيكل المتغيّر للوضعية الاجتماعية والسياسية والتقلّبات التي تحدث تجعله دائم البحث عما يعوّض عقدة النقص في البيئة الجديدة بالبحث عمّا يجعله، ليس مساويًا فقط للآخرين، بل أفضل منهم بأدوات الخطابة، بشكل عادل أحيانًا وأخلاقي أوبالتزلّف أحيانًا أخرى لمؤسسات وشخصيات تجد في المنفي المثقف ما تبحث عنه كدليل لصحّة أفكارها. يسيّس المنفى ويصبح بذلك تجارة في سوق الخطابات، إذ يبيع المثقف المنفي التصريح دون عقد واضح للبيع والشراء، بل عن طريق فهم اللعبة والانخراط فيها، فهو الذي فهم من تجربته الأولى في وطنه الأوّل أن معارضة القوي، المسيطر والسلطة الحاكمة والمجتمع تجعل منه طريدة سهلة لقوى البوليس، المخابرات، رجال الدين وأفراد المجتمع، يدرك بعد أن يفهم من الخطابات السياسية في موطنه الجديد، موطن النفي، أن الغرب ليس مكانا خالي السلطة، سواء الاجتماعية، السياسية أو الدينية، كما كان يتوقع، بل أن السلطة الجديدة التي تحكم خطابات الأرض الجديدة تمتلك تقنيات قمع أكثر ذكاء وأقل مباشرة، وكما يقول ميشال فوكو «حيثما هنالك خطاب هنالك سلطة»، وأزيد على هذا فأقول حيث ما هنالك خطاب هنالك مثقّف، وإن لم يكن هنالك مثقّف يملأ خزّانات السلطة في الأرض الجديدة بالخطابات فحتمًا يجب أن يصنع سواء عن طريق تغذية المثقف العضوي المحلي أو باستراد مثقّفين يخدمون الأجندات التي يخجل المثقف المحلي من تبنّيها.  الخطاب السلطوي الجديد في عالم المنفى يغري المثقف المنفي ويجعله يتبنّي أكثر الخطابات تطرّفا، ربّما ليس حتمًا لإيمانه بها، بل تلك طريقته في إبراز كفاءته في اتقان الدور الذي فهمه بعد صراع نفسي طويل مع ميكانيزمات النفي لدى المؤسّسات الغربيّة.

مركزية المنفي المثقف

يسافر المثقّف إلى المنفى حاملا معه مجموعة من الأفكار عن نفسه وعن العالم، يحمل معه تاريخه، ثقافته، أفكاره ويرتحل بها إلى أرض جديدة بحثًا عن الأمان، حريّة التعبير، والاعتراف وقبل كل هذا فهو يحمل معه «مركزيته» أساسيًا ودون سبيل للمراجعة أو النقد، مركزيته في القصة، ليس في قصّته فقط، بل في قصّة العالم، البطولة، وفكرة الضحية المنتصرة. مركزيته الأبدية فيما بعد هي التي ستجعل منه لاحقًا مثقفًا عضويا في العالم الجديد، تلك الصفة التي لطالما رفضها في وطنه سيلبسها في أرض المنفى محطّما، ربّما مرغمًا وحالمًا كربطة عنق، ولأجل الاعتراف، النشر، والجائزة. فعن طريق التجارب السابقة للمنفيين يفهم بتسلسلها أن السبيل الوحيد لنيل الاعتراف لن يكون الّا بالتماشي مع خطاب المؤسّسات والتحوّل إلى بيدق فكري. ذلك البيدق المسخّر للنظريات السفيهة التي تروي عطش الكائن الغربي هو الآخر للاعتراف. الاعتراف بفوقية هذا الكائن يقابله الاعتراف بالمثقف المنفي، الاعتراف مقابل الاعتراف داخل لعبة مغلقة ومعقّدة ومغلّفة بالكثير من الجماليات والاستعارات اللغوية التي لا غبار عليها والتي هي نفسها تشتغل كغطاء فوق آلية محكمة لاستغلال الضحية وتدويره في الخطاب السياسي في الغرب.

في غالب الأحيان يجد المثقّف المنفي نفسه بين المطرقة والسندان، بين مطرقة سلطة نافية في البلد الأم، وسندان سلطة تعيد انتاج الخطاب السلطوي، ولكن بآليات استعمارية ناعمة. الفرار من قامع يلبس لباس القمع إلى قامع آخر بلباس المنقذ، يضع المنفي المثقّف أمام وضعيّة لا يحسد عليها، فإمّا المقاومة من جديد والرجوع إلى الوطن حُضِّر له فيه مسبقًا رداء الخيانة ليلبسه مكبّل اليدين، أو الرضوخ للديالكتيك الجديد فيصبح أداة بلا روح، يتماشى مع السردية الغربية بدون نقد، وذلك ليحمي نفسه من نفي العودة إلى الوطن ومن نفي النفي في المنفى.

يُقارب المنفي المثقّف كل هذا بفكرة أنّه مركز الكون، فكرة يعلم في قرارات نفسه أنها ليست صحيحة تماما، ولكنّ هول الموقف، الخوف من القادم، والغريزة تجعلان هذه الفكرة تكبر وتكبر بداخله إلى أن يفقد المثقف أي قدرة على التماثل مع العالمي الخارجي، فالآخر ليس إلّا حقل تجريب، موضوع دراسة، وشخصيّة إضافية في عالم يكون فيه المثقف هو المركز، وفي هذا السبيل، ربّما بشكل واعٍ أو بشكل لا واعي، يدخل المثقّف المنفي في مرحلة عبادة الذات.

جلد الذات:

يتحدّث فرانتس فانون في كتابه الشهير المعذّبون في الأرض وهو يسرد تأمّلاته من قلب الثورة الجزائرية، أنّ المثقّف من آهالي البلاد المستعمَرة عادة ما يرى في النخب الاستعمارية قدوة له وسيحاول تعويضها. بصفتي جزائري أؤكد لكم نظرية فرانتس فانون صحيحة، فبعدما طردنا المستعمر، غزتنا نخبنا بنفس أفكاره. إنها عقدة النقص. عقدة الخواجة، عقدة تحدّث عنها أيضا إدوارد سعيد بمنظور آخر ولكنها هي ذاتها العقدة.

وبالاسقاط على المنفى، فإن ما يستعمر ليس الأرض بل الفكرة. عندما يصل المثقف المنفي إلى الغرب، سرعان ما يفهم، أن السبيل الوحيد للنجاح هو أن يبيع صوته للآلة، لقاء النشر، الدعاية الإعلامية، ولقاء ما سميناه سابقًا «الاعتراف». ولكن هنالك عقدة أخرى تعتري المثقف، أكبر من مجرد عقدة نقص. انها عقدة الانكسار. يحاول المثقف أن يثبت دائما لشعبه الذي تركه خلفه أنه كان خسارة كبيرة للوطن وهو طموح شرعي، ولكن ما قد يفسده أحيانًا هو الغرور وقلق السعي نحو المكانة. محاولة اثبات قيمته، ليس بخلق قيمة فكرية حقيقية، بل عن طريق الظهور الإعلامي، الجوائز وأدوات التكريم، والتجرّد نهائيًا مما يجمعه بمجتمعه السابق.

لقد التقيت بالكثير من هؤلاء، حتى أنّي كدت أن أصبح مثلهم. رأيتهم يجلدون أنفسهم وشعوبهم، إخواني كتاب من دول مقموعة، عربية وإفريقية وغيرها، يستغلون منابرهم ليدوسوا على شعوبهم، رأيت الكاتب الجزائري كمال داود يجلد شعبه أكثر من مرة على محطات التليفزيون الفرنسية. أبشع التوصيفات، أبشع الكلام، جلد للذات العربية، الذات الامازيغية، الذات المسلمة، الذات الافريقية، ورأيت أكثر من مرة الصحافيين يضحكون أمامه ضحكة صفراء، وهم يتلذذون برؤية جزائري يجلد نفسه. ومع الوقت لم يعد الجلد كافيا، فتمادى في جلد الذات أكثر، فالرجل الأبيض مثل النار كلما زدناها قالت هل من مزيد. لطالما أردت أن أكون كاتبًا ناجحًا مثل كمال داود، فبدايته كانت موفقة جدا، ولم يكن هكذا من البداية، ولكن اليوم، أصبح خوفي أن أصل لهذا النوع من التذلل والابتذال. لا أخفي أني تذللت أنا الاخر كذا مرة لأجد منفذا لي، ولكن مع الوقت فهمت أن لا شيء يرضي هذا الكائن الخرافي الغربي الا أن تمحو نفسك بالكامل وأن تسجد له. أن تمحي تاريخك، أفكارك وأن ترضى بمكانة دونية أمامه. (كمال داود كاتب ذكي ولكن الخوف والرغبة في المجد تعميانه، وأتمنى له أن يجد بابًا للخروج مما وقع فيه قريبا.)

هنالك استشراق مبطّن حتى في أجمل المؤسسات الغربية. هنالك مقاربات سطحية لبعض الدوائر الثقافية واستغلال للمثقف المنفي، أبشع استغلال. هنالك ألم اديولوجي، ألم فكري، أكثر من ذلك ذبحة فكرية يتلقاها المنفي عندما يفهم هذه الميكانيزمات. يفهم حينها المثقف المنفي أن الذات الجالدة للذات أفضل من الذات «المذبوحة» إذ يسافر المثقف المنفي حاملًا معه خوفًا واحدًا، الخوف من الوراء، ولكن في الغرب يتحول الخوف الواحد الى خوفان، خوف من الماضي والآخر من المستقبل، خوف من سلطة قاسية ومتجلية في وطنه الام، وسلطة أخرى لا يمكن أبدا مقاومتها، يجدها في الغرب، انها سلطة المنقذ، سلطة المستعلي الأخلاقي، سلطة اليد الناعمة، سلطة الخيانة المفروضة، وسلطة الخيانة نفسها كأداة نجاة، خيانة مؤثثة بالكثير من التبجيلات. وبهذا انا لا أبرئ نفسي ولا أتهم الجميع.

ما حدث ما سلمان رشدي لم يكن طعنا فقط، لكن كان أيضًا لحظة حاسمة في مشروعي الفكري. فهمت أني أريد أن أكون كاتبًا لكن ليس على حساب الآخرين، أريد أن أتعاطف مع سلمان رشدي دون أن أتبنى كل أفكاره. أريد أن أنقد مجتمعي دون أن أجلده، وأريد أن أشكر من «أنقذني» دون أن أعبده. لا أريد بأي شكل من الأشكال أن أستغل قصتي لأغطي بصوتي على ألم الضحايا الآخرين، ولا أريد أن أكون جزء من آلة قمع سواء في الجزائر أو في الغرب. ولكن خائف، ان تكون هذه هي نهايتي…

«المنفى مغرٍ بشكل غريب للتفكير فيه، لكنه مروّع عند تجربته.» بهذه العبارة، يوسّع إدوارد سعيد مفهوم المنفى ليتجاوز كونه تصنيفًا فكريًا مجردًا، ليصبح تجربة متجسدة من المعاناة الإنسانية. لفهم المنفى، لا بد من إضفاء الطابع الإنساني على المنفي. فالمنفى عند سعيد ليس مجرد استعارة، بل هو حالة واقعية متصدعة تتطلب قراءة مزدوجة: وجدانية ونقدية.

لقد شكّل هذا المنهج جزءًا كبيرًا من الخطاب المعاصر حول المنفى: التجربة تسبق النظرية، والمنفي قبل المنفى. لكن، ماذا لو لم يكن المنفى مجرد صدمة شخصية أو قطيعة وجودية؟ ماذا لو كان أيضًا جهازًا إنتاجيًا للسلطة، أو Dispositif، ينظّم رؤية المنفي، وحركته، وخطابه، واعتراف المؤسسات به، خصوصًا في السياقات الغربية المعاصرة؟

أسعى من خلال المقال إلى إعادة التفكير في المنفى، لا كحادثة مأساوية طارئة، بل كآلية مهيكلة للسلطة. من تجربتي ومن خلال عدسة فوكو التي لم أقلها، وإعادة قراءة نظرية سعيد في الاستشراق والمنفى ضمن هذا الإطار، أزعم أن المؤسسات الثقافية والأدبية المعاصرة لا تكتفي باستقبال المنفيين، بل تشارك فعليًا في صناعة “الذات المنفية”، وتحويلها أحيانا إلى أداة لإعادة إنتاج القمع، بمنهجية دقيقة، داخل جهاز سياسي للهيمنة. وهذا لا يقل عنفًا عن حادثة طعن الكاتب المنفي سلمان رشدي.

أنور رحماني


Leave a comment